مجمع البحوث الاسلامية

739

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

من الاختلاف المفرط في الإعراب والقراءة عن الشّواذّ ، لكنّهم مع الأسف أفرطوا في الآيتين حتّى تجاوزوا الحدّ اللّازم . أمّا في الأولى فقد حكى الطّبرسيّ ( 4 : 240 ) في ( عدوّا وحزنا ) قراءة أهل الكوفة غير عاصم ( حزنا ) والباقين بفتحها - وهو المساعد للسّياق كما قلنا - وفي الشّواذّ قراءة الحسن وفضالة ( فزعا ) ، وقراءة ابن عبّاس ( قرعا ) ، وعن بعضهم ( فرغا ) . وأمّا في الثّانية فقالوا في إعراب ( حزنا ) : مفعول لأجله ، والعامل فيه ( تفيض ) . وقد ناقشوا فيه باختلاف الفاعل ، لأنّ فاعل ( تفيض ) ( أعينهم ) وفاعل ( حزنا ) « القلوب » . وأجابوا عنه بأنّ « الحزن » أسند إلى « الأعين » مجازا ، يقال : عين حزينة وسخينة . . . ويجوز أن يكون العامل فيه ( تولّوا ) فيتّحد فاعلا العلّة والمعلول حقيقة ، أو لرجوع المعنى إلى تولّوا وهم يبكون حزنا . وجه آخر : أنّه حال من ( تولّوا ) أي تولّوا حزينين ، أو من ( تفيض ) أي تفيض أعينهم حزينة على ما تقدّم من المجاز . ووجه ثالث : أنّه مصدر ناصبه فعل مقدّر من لفظه ، أي يحزنون حزنا ، أو لا تحزن حزنا ، وهذه الجملة المقدّرة في محلّ نصب على الحال إمّا من ( تولّوا ) ، أو ( تفيض ) وهلمّ جرّا . 3 - وجاء ( الحزن ) في ( 42 ) قولا لأهل الجنّة وهم فيها : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ فاطر : 33 - 35 . وقد اختلفوا في ( الحزن ) أهو أحزانهم في الدّنيا من أجل المعيشة . مثل همّ الخبز والجوع وكراء الدّار ونحوها ، أو من أجل الآفات والأعراض والأمراض والبلايا وظلم السّلطان أو غيره ، وزوال النّعم ، أو خوف الموت . أو من أجل السّيّئات والمعاصي ، وردّ الطّاعات ، أو وسوسة الشّيطان ، وخوف من الآخرة ، وأهوال يوم القيامة ، ومن سوء العاقبة ، لأنّهم لا يعلمون ما يفعل بهم ، وأنّهم من أهل النّار أو من أهل الجنّة . أو حزنهم في الآخرة بما حاق بهم بعد الموت واستمرّ إلى أن دخلوا الجنّة ، أو كلّ حزن دنيويّ وأخرويّ - واختاره الطّبريّ والزّجّاج والفخر الرّازيّ وغيرهم - ولا بأس به . وأنهاها الماورديّ إلى عشرة ؛ عاشرها حزن التّباغض والتّحاسد ، لأنّ أهل الجنّة متواصلون لا يتباغضون ولا يتحاسدون . وقال القشيريّ : « تحقّقوا بحقائق الرّضا ، سمّي الحزن حزنا لحزونة - صعوبة - الوقت على صاحبه ، وليس في الجنّة - وهي جوار الحضرة - حزونة ، وإنّما هو رضى واستبشار » وهذا معنى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ المائدة : 119 . واعلم أنّ الحزن من وجهة نظر العرفاء الواصلين ، هو الفراق والغربة عن الحضور وهو أكبر همّهم ، وقد تبدّل لهم في الجنّة بالوصول والحضور ، وهو أقصى أمانيّهم وأكبر آمالهم وأعظم مواهبهم الرّبّانيّة . وهذه حاصلة للكمّلين منهم في الحياة الدّنيا ، فكيف في الجنّة !